مجمع البحوث الاسلامية
337
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الواضعون والمتكلّمون ، إلى معاني من عالم الغيب لا يعلمها إلّا اللّه تعالى ، ومن أعلمهم اللّه تعالى إيّاها بالوحي . ولكنّ أكثر المفسّرين ولعوا بحشو تفاسيرهم بالموضوعات الّتي نصّ المحدّثون على كذبها ، كما ولعوا بحشوها بالقصص والإسرائيليّات الّتي تلقّفوها من أفواه اليهود وألصقوها بالقرآن ، لتكون بيانا له وتفسيرا ، وجعلوا ذلك ملحقا بالوحي . والحقّ الّذي لا مرية فيه : أنّه لا يجوز إلحاق شيء بالوحي غير ما تدلّ عليه ألفاظه وأساليبه ، إلّا ما ثبت بالوحي عن المعصوم الّذي جاء به ثبوتا لا يخالطه الرّيب . أقول : هذا ما قاله الأستاذ في الرّعد والبرق ، ردّا على « الجلال » فيما تبع فيه ما روى في التّفسير المأثور عن الصّحابة والتّابعين ، ولا يصحّ منه شيء ، وأمثلة ما رواه التّرمذيّ بسند ضعيف من سؤال اليهود للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد رأينا السّيوطيّ لم يذكر من هذه الرّوايات شيئا في تفسير الآية من كتابه « الدّرّ المنثور » المخصّص لنقل المأثور ، وكذلك ابن كثير ، وكأنّ هذا عدّه من الإسرائيليّات ، مع عدم صحّة الرّواية فيه . وفسّرهما البغويّ بمفهومهما اللّغويّ ، فقال في الرّعد : هو الصّوت الّذي يسمع من السّحاب ، وفي البرق : هو النّار الّتي تخرج منه . ثمّ قال : قال عليّ وابن عبّاس وأكثر المفسّرين : الرّعد : اسم ملك يسوق السّحاب ، والبرق : لمعان سوط من نور يزجر به الملك السّحاب . وقيل : الصّوت زجر السّحاب . وقيل : تسبيح الملك . وقيل : الرّعد : نطق الملك ، والبرق : ضحكه . وقال مجاهد : الرّعد : اسم الملك ، ويقال لصوته أيضا : رعد . والبرق : اسم ملك يسوق السّحاب . وقال شهر بن حوشب : الرّعد ملك يزجي السّحاب ، فإذا تبدّدت ضمّها ، فإذا اشتدّ غضبه طارت من فيه النّار فهي الصّواعق . وقيل : الرّعد : انخراق الرّيح بين السّحاب ، والأوّل أصحّ . . . ولم يذكر الحديث المرفوع ، لأنّه أضعف عنده ممّا ذكره فيما يظهر . أقول : ولا شكّ عندي في أنّ هذه الأقوال كلّها ممّا كان يذيعه ، مثل كعب الأحبار ووهب بن منبّه بين المسلمين ، من الصّحابة والتّابعين . ولو صحّ في حديث مرفوع بسماع صحيح لا يحتمل أن يكون من الإسرائيليّات لما وقع فيه مثل هذا الخلاف ، ولأمكن حمله على أنّ المراد به الإشارة إلى أنّ هذه المظاهر الكونيّة تقع بفعل ملك ، موكّل بالسّحاب ، ولكن لا حاجة إلى ذلك مع عدم صحّة شيء في المسألة ، والملائكة من عالم الغيب ، وهم لا يراهم النّاس إلّا إذا تمثّلوا لنبيّ أو وليّ ، على سبيل المعجزة أو الإرهاص ، كتمثّل الرّوح للسّيّدة مريم عليها السّلام ، ورؤية الصّحابة ، لجبريل في حضرة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بصورة رجل يسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان ، والبرق من عالم الشّهادة لا من عالم الغيب . [ إلى أن قال : ] وما تفسيرنا للبرق والرّعد والصّاعقة - مع كونها معروفة لكلّ النّاس - إلّا لأنّ المفسّرين صرفوا أفهامهم عن المعروف إلى غيره ، كما حكي عن أرسطو - حكيم قدماء اليونان - أنّ تلاميذه سألوه عن تعريف « الحركة » فقام ومشى ، وما أنطقهم بالسّؤال عنها على بداهتها ، إلّا